صديق الحسيني القنوجي البخاري

450

فتح البيان في مقاصد القرآن

حد ذاته غير مطابق للواقع مختلق على اللّه من حيث نسبته إليه فمفترى تأسيس لا تأكيد . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ثالثا : لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي لأمر الدين الذي جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وفي تكرير الفعل والتصريح بالفاعل إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه ، وهذا الإنكار منهم خاص بالتوحيد ، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقا عليه بين أهل الكتاب والمشركين ، وقيل : أريد بالأول وهو قولهم : إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً معناه وبالثاني وهو قولهم : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ نظمه المعجز . وقيل : إن طائفة منهم قالوا : إنه إفك وطائفة قالوا إنه سحر ، وقيل : إنهم جميعا قالوا : تارة إنه إفك وتارة إنه سحر والأول أولى . وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها أي ما أنزلنا على العرب كتبا سماوية دالة على صحة الإشراك يدرسون فيها ويقرأونها . وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ يدعوهم إلى الإشراك أو إلى الحق وينذرهم بالعذاب فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه ولا شبهة يتشبثون بها ، قال قتادة : ما أنزل اللّه على العرب كتابا قبل القرآن ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، قال الفراء : أي من أين كذبوك ؟ ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه ، ثم خوفهم سبحانه وأخبر عن عاقبتهم وعاقبة من كان قبلهم ، فقال : وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من كفار القرون الخالية وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ أي ما بلغ أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب عشر ما آتينا من قبلهم من القوة والنعمة وكثرة المال والأولاد وطول الأعمار فأهلكهم اللّه كعاد وثمود وأمثالهم ، ولم تنفعهم قوتهم شيئا في دفع الهلاك عنهم حين كذّبوا رسلهم فهؤلاء أولى بأن يحل بهم العذاب لتكذيبهم رسولهم والمعشار لغة في العشر قال الجوهري : معشار الشيء عشره وفي البحر المعشار : مفعال من العشر ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع . ومعناهما العشر والربع وقيل : المعشار عشر العشر والأول أولى . وقيل : إن المعنى : ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى . وقيل : ما بلغ من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم ، وقيل : ما أعطى اللّه من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان ، والأول أولى ، وقيل : المعشار عشر العشير ، والعشير هو عشر العشر ، فيكون جزءا من ألف جزء ، قال الماوردي : وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل . قلت : مراعاة المبالغة في التقليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن المعنى العربي وقال ابن عباس في الآية : يقول من القوة في الدنيا ، وعن ابن جريج نحوه .